الشيخ محمد رشيد رضا
11
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
سياستهم حتى في الجناية على الدين وأهله . فان قيل : ان اليهودية أقرب إلى الاسلام من النصرانية لأنها ديانة توحيد ، والنصرانية ديانة تثليث ، والتوحيد هو أساس دين اللّه على ألسنة جميع رسله ، وهو منتهى الكمال في العقائد ، ولذلك يجوز ان يغفر اللّه كل ذنب الا الشرك . فالجواب عن هذا ان عقيدة التثليث الدخيلة في المسيحية لما كانت لا تفهم ولا تعقل لم يكن لها تأثير في أنفس أهلها يبعدهم عن الاسلام . بل ربما كانت من أسباب قبول دعوة الاسلام ، وانما التأثير الأعظم في تقريب الناس بعضهم من بعض أو ضده الاخلاق والآداب ، واننا نرى في كل عصر من الموادة بين المسلمين والنصارى ما لا نرى مثله بين غيرهما من المختلفين في الدين ؛ وما ضعفت هذه المودة في بلد الابفتن السياسة ، وعصبيات أهل الرياسة ، فلعنة اللّه على مثيري العداوة والبغضاء بين عباد اللّه اتباعا لأهوائهم ، أو ارضاء لرؤسائهم ومن مباحث الألفاظ في الآية ان الرهبان جمع راهب ( كركبان جمع راكب ) وهو المتبتل المنقطع في دير أو صومعة للعبادة وحرمان النفس من التنعم بالزوج والولد ولذات الطعام والزينة ، فهو من الرهبة بمعنى الخوف ، أو من رهب الإبل وهو هزالها وكلالها من طول السير ، والقسيسين جمع قسيس - ومثله قس وجمعه قسوس - وهو رئيس ديني في عرف الكنيسة فوق الشماس ودون الأسقف . مأخوذ من قولهم : قس الإبل يقسها ( من باب نصر ) قسا ( بتثليث القاف ) إذا أحسن رعيها وساقها . والأصل في القسيسين أن يكونوا من أهل العلم بدينهم وكتبهم ، لأنهم رعاة ومفتون . فيكون ذكر الرهبان والقسيسين جمعا بين العباد والعلماء ، وكون الرهبانية بدعة في النصرانية لا ينافي تأثيرها في تقريب النصارى من مودة المسلمين وروى أهل التفسير المأثور قولا بأن المراد بالقسيسين والرهبان من آمن بعيسى في عهده كالحواريين - وقولا آخر بأن المراد بهم جماعة النجاشي ؛ وسيأتي بعض ما ورد في ذلك . ومن الناس من يجعل هذه الآية آخر الجزء السادس لان التجزئة لا تراعى فيها المعاني . ويبدأ الجزء السابع بقوله عز وجل :